الشيخ محمد الصادقي الطهراني
16
تاريخ الفكر والحضارة
ومن أهم الحضارات الفكرية ما تتلاءم تماماً مع الحضارة الدينية ، أو بصيغة أخرى : أنّ الأخيرة تستوجب الأولى تماماً ولا سيما في الشريعة الاسلامية . والفكر الحضارى هو المتفاعل مع الواقع الخارجي بالنسبة للحياة ومتطلباتها ، والبشرية كما نعلم - في محاولة دائمة للكشف عن واقع الحياة ، وواقع الهدف من خلق الكون وخلق الإنسان ، ولكي تحاول في تحقيق الانسجام التام بين الواقع والسعي في سبيل الواقع . ولكي لا تذهب مساعيه في الحياة هباءً منثوراً ؛ فهناك تفكيرات متحللة عن الواقع ، وما هي الا تخيلات وأوهام لاتملك من مقومات الحقيقة شيئاً ، الا ما يخيل إلى أصحابها . وهناك تفكيرات متفاعلة مع الواقع - ولا أقول كلّها ناجحة - إنّما هي أقرب إلى الواقع ؛ لأنّها في صراط الكشف عن الواقع بنفس الواقع ، إذ تتفاعل معه . . ولا سيما لو كانت مهتدية بهدى الوحي ، سالكة مسالك الوحي ، الذين لا يصدرون الا عن الله . والبشرية مهما كانت راقية ومتقدمة في التفكير ، لابد وان تجهل الكثير من المجهولات الحياة ، دون أن تستطيع الحصول على الواقع تماماً ، إذ إنّه ما اوتى من العلم الا قليلًا ، لو كان تفكيرها حول الأنظمة والواقع المادي فحسب فكيف بسواها : من الأمور الروحية والمعنوية . فإذا حاول الفكر في تطوره ، التفاعل مع الواقع الخارجي ، والتفاعل مع ما يحتاجه الإنسان في حياته المادية والمعنوية ، اذن فهو في طريق مستقيم . ومما يتوجب على المفكر في هذا السبيل أن يمارس التفكير في نفسه وفي آفاق الكون ، نظرة متحللة عن الماديات . ثاقبة نافذة إلى ورائها ، دون أن يتجمد فيها نفسها ، وعلى حد تعبير الإمام علي عليه السلام في صفة الدنيا « من أبصر بها بصرته ومن ابصر إليها أعمته » « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » ( 41 : 53 ) .